جلال الدين الرومي

433

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

تؤمن أيضا بأن وراء نعيم الدنيا نعيما آخر ، وفوق أعظم لذاتها لذة أخرى لا تقل . . ولا تفنى ! ! لقد كنت تنكر الوصول إلى المرتبة الإنسانية ، فلماذا بعد أن وصلت إليها تنكر ما بعدها وتجحده ؟ ! لماذا تظنها نهاية المطاف ؟ ! لماذا تنكر هذا على قدرة من صور من تراب بشرا سويا . . نعم كنت تنكر أنذاك إذا لم يكن لك قلب أو روح ؟ ؟ ومجرد تحويلك من مرحلة الجمادية إلى مرحلة الحيوانية حشر في ذاته فلماذا الحشر بعد مرحلة الإنسانية ، ( للمراحل وتفصيلاتها انظر الكتاب الثالث شروح أبيات 3901 - 3906 ) . ( 898 - 902 ) : ما أشبهك وأنت تنكر الحشر بذلك الذي يدق عليه أحد بابه ، فيجيبه بصوته إنه ليس موجودا ، كيف وجوابه في حد ذاته هو الدليل على وجوده ، وهكذا فوجودك نفسه دليل على صدق ما تنكر ، وعلى أن الله يجعل الحي جمادا ومن الجماد حياة ، وهكذا في حشر متوال . . لقد خلق أباك من تراب وأخرجك بواسطته ثم تنكر الحشر « و ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ » « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » وكم من الصنائع الإلهية قد جرت على الإنسان أيها المنكر . . وإن كنت لا تزال تنكر فأقرأ « هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ، إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » ( الإنسان : 1 / 2 ) وهكذا الإنسان المخلوق من الماء والطين ينكر كالمغفل ، يخبر عن عدم وجود ذاته وهو داخل الدار ، فكيف تنكر وأنت نفسك الدليل على ما تنكره ، وإنكاره هنا هو عين إقراره ، إنني أشرح هذه الفكرة بمائة طريق ، وأدق عليها كثيرا ، فهي بداية الأمر ، ورأس الجهاد . . لكنه أين الخاطر المتقيظ الذكي الذي يتقبل هذه المعاني ولا ينزلق منها ، ولا تنزلق هي أيضا على وجوده ولا تستقر أو تثبت .